العلاقات القطرية الأوزبكية: بناء شراكة استراتيجية بين الخليج وآسيا الوسطى

زينيب أتالاي-أوستن وجاد صالحة


مقدمة

انتقلت العلاقات القطرية الأوزبكية من مرحلة التواصل الدبلوماسي لمرحلة بنيوية مختلفة، ويبرز ذلك في افتتاح السفارة القطرية في طشقند في مايو 2023 والسفارة الأوزبكية في الدوحة في ديسمبر 2023، ثم توقيع البلدين اتفاقية الشراكة الاستراتيجية في طشقند في أبريل 2024، تلا ذلك الاجتماع الأول لمجلس تنسيق الشراكة الاستراتيجية في الدوحة في أغسطس 2025، من جانب آخر، فإن الفرصة متاحة لتحويل هذا الزخم لشراكة طويلة الأمد وذلك عقب الزيارة رفيعة المستوى التي قام بها وزير خارجية أوزبكستان إلى الدوحة في مايو 2026. وعلى هامش تلك الزيارة، عقد مركز أبحاث السياسات الدولية (CIPR) ومركز دراسات السياسة الخارجية والمبادرات الدولية (CFPS) ورشة عمل مشتركة لتقييم السياق الاستراتيجي، والمخاطر الإقليمية التي يتعين على البلدين التعامل معها، والفرص الممكن استغلالها لتعميق شراكة قطرية أوزبكية فعالة. حيث شكلت الأفكار والمناقشات الدائرة في الورشة المشار إليها أساس إعداد هذا الموجز السياسي. تمحورت فكرة الورشة الرئيسية حول حقيقة عدم انفصال منطقتي الخليج وآسيا الوسطى عن بعضهما، بل يمكن النظر إليهما باعتبارهما منطقة واحدة ممتدة، تربطهما صلة تاريخية امتدت لألف عام، ولم ينفصلا إلا خلال القرنين الماضيين بفعل تركة الاستعمار والحقبة السوفيتية. هذا المنطلق، يتشارك الخليج وآسيا الوسطى مساحة استراتيجية موحدة. وتبرز قطر وأوزبكستان كشريكين طبيعيين متكاملين، وذلك نظرا لنفوذهما الإقليمي القوي، ودورهما المشترك كوسيط سلام، وقربهما من مناطق النزاع. ووصفت الورشة الوضع الراهن بأنه "نقطة اللاعودة": فعهد هيمنة القوى العظمى على النظام الإقليمي يتلاشى، وتنتشر القوة نحو مراكز إقليمية جديدة، ويتعين على القوى المتوسطة بناء "بنيتها التحتية للسيادة" الخاصة بها، لأن "الاستقلال الذاتي دون موارد وهم". [1]

فهم السياق الاستراتيجي:

تتشكل العلاقات الثنائية القطرية-الأوزبكية، في سياق تحول جذري يشهده النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يتزايد تعدد الأقطاب، وتشتد المنافسة بين القوى الكبرى، ويضعف النظام السابق للمؤسسات الدولية على الصعيدين السياسي، والاقتصادي. أصبح أمن الطاقة المتغير المهيمن في السياسة العالمية، ويتجلى ذلك في انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك. بالنسبة لكل من قطر وأوزبكستان، فهذا التحول ليس مجرد مسألة نظرية بل واقع عملي. حيث يرزح الشرق الأوسط تحت ضغوط المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، والحرب على غزة، والعمليات الإسرائيلية على لبنان والضفة الغربية، واستمرار الصراعات في سوريا، واليمن، وحالة عدم الاستقرار في العراق، بينما تواجه آسيا الوسطى مخاوف متزايدة عابرة للحدود، مع الضغوط الناتجة عن وضع أفغانستان، حيث تهريب المخدرات من مصادر أفغانية، ومخاطر أوسع نطاقا نتيجة عدم الاستقرار في أفغانستان. من جانب آخر، فإن التهديدات التي تواجه منشآت النقط، وممرات النقل في الخليج العربي تتطلب التعاون مع دول صديقة خارج المنطقة، حيث حددت ورشة العمل أوزبكستان كإحدى تلك الدول. ويمكن تشخيص ثلاث فئات من المخاطر المشتركة بين المنطقتين كلتيهما، فالفئة الأولى هي التهديدات الأمنية العابرة للحدود، والتي تضعف سلطة الدولة على جانبي الحدود مع أفغانستان، وتشمل تلك التهديدات الإرهاب، والتطرف، والمخدرات. أما الفئة الثانية فالمخاطر الاقتصادية خصوصا مخاطر الطاقة، حيث تهدد هذه المخاطر قدرة قطر وأوزبكستان على الاتصال ببعضهما، والتي تمنحهما عمقا استراتيجيا، وتتضمن تلك المخاطر تعطل ممرات نقل الطاقة عبر إيران، وأفغانستان، وارتفاع الأسعار، وتراجع الاستثمار في المشاريع الاستراتيجية. أما الفئة الثالثة فهي: المخاطر الجيوسياسية، والاستراتيجية، وتشمل تنافس القوى العظمى على النفوذ الإقليمي، والصراعات بالوكالة، والضغط على مبادرات التنمية الإقليمية، وتؤدي هذه المخاطر إلى ضيق هامش العمل المستقل للقوى المتوسطة. خلصت ورشة العمل إلى أن الاستجابة لهذا السياق، تتطلب من قطر وأوزبكستان الانتقال من موقف رد الفعل إلى موقف استباقي، ومن السعي وراء الحلول إلى إدارة القضايا. ولا تزال معظم المشاكل الإقليمية المحيطة بالبلدين بدون حلول دائمة، ومع توافر إمكانية لإدارة تلك المشاكل بصورة منظمة، لكن بناء تلك الإدارة يتطلب تنسيقا مؤسسيا لم يتح بعد.

المسار لشراكة استراتيجية جدية: إطار عمل مقترح:

استنادًا إلى مناقشات ورشة العمل، تقترح هذه الورقة إطار عمل من ثلاث مراحل لتحويل الزخم الدبلوماسي الحالي إلى شراكة استراتيجية مستدامة بين قطر وأوزبكستان.

1. التوطيد المؤسسي:

تعمل المرحلة الأولى على توطيد البنية المؤسسية القائمة لتغدو آلية قادرة على دعم التعاون الاستراتيجي، وقد تأسس مجلس التنسيق القطري الأوزبكي، برئاسة رئيس الوزراء القطري، الذي يشغل أيضًا منصب وزير الخارجية، ووزير خارجية أوزبكستان، وقد عقد اجتماعه الأول في الدوحة العام الماضي بمشاركة ممثلين من مختلف الوزارات. وفي هذه المرحلة ينبغي توسيع نطاق هذا المجلس ليؤسس استراتيجيا كاملا، على غرار الحوارات الاستراتيجية القائمة بين قطر وشركائها الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، واليابان. وكما أشير إليه في ورشة العمل، فإن مثل هذه الحوارات الاستراتيجية الرسمية تاريخيا كانت النقطة التي انبثقت عنها أكثر المشاريع الثنائية القطرية طموحا، وذلك لأنها تتيح السلطة السياسية العليا لكسر جمود البيروقراطية. يوفر المسار المشترك 1.5 بين معهد العلاقات العامة المعتمد (CIPR) ومركز السياسات المالية (CFPS)، الذي تم افتتاحه في ورشة عمل مايو 2026، البنية التحتية التحليلية اللازمة لإثراء الحوار الاستراتيجي بمقترحات جوهرية.

2. جسر الاستثمار والتجارة:

تعالج المرحلة الثانية الفجوة التجارية الجوهرية في العلاقات الثنائية. حيث يبلغ حجم محفظة المشاريع المشتركة بين البلدين 10 مليارات دولار أمريكي، موزعة على 28 مشروعا منها 2.4 مليار دولار أمريكي في مشاريع قيد التنفيذ، و7.6 مليار دولار أمريكي ضمن المشاريع المتوقعة، وذلك بحسب إحصاءات الحكومة الأوزبكية 3، أما التجارة الثنائية فقد بلغ حجمها عام 2024: 6.7 مليون دولار أمريكي فقط، حيث تجاوزت الواردات (5.3 مليون دولار أمريكي) الصادرات (1.4 مليون دولار أمريكي). حيث يعكس هذا التفاوت بين الاستثمار، والتجارة محدودية تكامل سلاسل الإنتاج، وغياب البنية التحتية الميسرة للتجارة. وقد اقترحت ورشة العمل آليتين مكملتين: الأولى: نظام المسار السريع، بحيث يتم إنشاء ممر إداري حصري لشركاء قطر التجاريين وفقا لمبدأ النافذة الواحدة، مما يسرع إجراءات الترخيص، والشهادات، والتخليص الجمركي للشحنات ذات الأولوية، والمشاريع المشتركة في قطاعات الطاقة، والصناعات الزراعية، وتكنولوجيا المعلومات. كما ينشيء بيت التجارة الأوزبكي - القطري منصةً دائمةً، وليس موسمية لمنح العلامات التجارية الأوزبكية حضوراً مستداماً في قطر، لا سيما في قطاعات الأغذية العضوية، والمنسوجات، والحرف اليدوية، مع العمل أيضاً كمركزٍ لوجستي، وتسويقي، يقوم بتكييف الصادرات الأوزبكية مع معايير الاستهلاك الخاصة، حيث استشهدت الورشة بالوكالات التجارية الإيطالية، والفرنسية كنموذج تشغيلي يمكن احتذاؤه، وذلك في مجال التعاون المستمر مع المؤسسات التجارية والمالية القطرية.

3. الاستقرار الإقليمي المشترك:

توظف المرحلة الثالثة البنية المؤسسية، والجسر التجاري لخدمة البيئة الإقليمية المؤثرة على أمن البلدين. أما الركيزة الطبيعية لهذه المرحلة فهي أفغانستان، وذلك للمزيج الفريد بين قطر، وأوزبكستان في هذا الجانب، حيث تنخرط طشقند في الحوار مع كابول، وموقف الدوحة الدبلوماسي مع طالبان. وعبر هذه المرحلة ينبغي تطوير مسارين متوازيين: مسار سياسي يتضمن تشجيع طالبان على الالتزام بتعهداتها الدولية، ويسهل حل التوترات بين باكستان، وطالبان، ومسار اجتماعي اقتصادي: يعيد تأهيل البنية التحتية الأفغانية، ويدمج أفغانستان في المشاريع الاقتصادية الإقليمية. حيث يمثل مشروع "خط سكة حديد عبر أفغانستان" مشروع بنية تحتية رائد قادر على منح هذه المرحلة طابعا ملموسا. بالتوازي مع ذلك، ينبغي توفير بنية أمنية إقليمية مشتركة لإدارة التهديدات العابرة للحدود والمخاطر غير المتوازنة، بحيث تكون هذه البنية بقيادة إقليمية لا بإدارة خارجية.

الأمن الصارم والمخاطر الاستراتيجية

تُشكّل أربعة مخاطر استراتيجية الإطار الأمني الذي يجب أن تعمل فيه الشراكة. أولها إسرائيل: فقد أثبتت إسرائيل، في ظل حكومتها الحالية، أنها مصدر رئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي، وذلك بقصفها العواصم، وغزوها لبنان، ومباشرتها للإبادة الجماعية في غزة، وزعزعتها استقرار سوريا. ثانيها قيادة الحرس الثوري الإيراني: لم تسفر ثلاثة عقود من التواؤم، والوساطة القطرية في ترجمة تلك الجهود إلى ضبط إيراني للنفس، حيث ظهر ذلك في القرار الإيراني بمهاجمة الأراضي القطرية عقب الضربات الأمريكية على إيران. ثالثها: هشاشة دول المنطقة بما في ذلك أفغانستان، والعراق، وسوريا، ولبنان، واليمن: وقد أشارت ورشة العمل إلى أن كلا من إسرائيل، وإيران تضعفان مركزية مؤسسات الدولة في المنطقة، فإسرائيل فعلت ذلك عبر العمل العسكري الأحادي الجانب ضد هذه الدول، وإيران، من خلال رعاية جهات فاعلة غير حكومية، فقادت أفعال الدولتين لإضعاف بنية الدولة في المنطقة. رابعها تآكل النظام الليبرالي العالمي: حيث يتجه العالم نحو الاختيار القسري بين الشرق، والغرب كما كان في الحرب الباردة. وبينما لم تصل الصين بعد للقدرة على خيار قسري بين الشرق والغرب على غرار الحرب الباردة. ورغم أن الصين لم تصل بعد إلى القدرة التخطيطية التي سادت في الحقبة السوفيتية، إلا أن المسار يشير إلى ذلك. وستؤدي حقبة ثنائية القطبية الكاملة للضغط بشكل كبير على القوى متوسطة الأحجام وعلى استقلالها الاستراتيجي الحالي. يترتب على ما سبق بيانه وبصورة عملية عدم إمكانية اعتماد قطر وأوزبكستان كليهما على أطر الأمن التي تقودها القوى العظمى لمواجهة التهديدات غير المتكافئة مثل: كالطائرات المسيرة المبرمجة بالذكاء الاصطناعي، والهجمات التضليلية، والعنف بالوكالة، وذلك لأن تلك الأطر الأمنية لم تصمم من الأصل للتعامل مع هذه التهديدات غير المتكافئة، حيث يتطلب التصدي لهذه التهديدات تعاونا أمنيا محليا لا يمكن لشراكات القوى العظمى أن تحل محله. وبناء على ذلك، حددت ورشة العمل ثغرة واضحة تتلخص في: انعدام الآلية الإقليمية قائمة لتنسيق الأمن، والدفاع بين منطقة الخليج، وآسيا الوسطى. وقد جرى اقتراح عقد ورشة عمل لاحقة مخصصة لوضع توصيات عملية لسد هذه الثغرة.

الاستثمار والتواصل:

علاوة على نظام المسار السريع، وبيت التجارة القطري-الأوزبكي المشار إليهما سابقا في هذه الورقة، فإن ورشة العمل تحدد خمس مستويات استثمارية تتمتع فيها قطر وأوزبكستان بميزات خاصة، تعزز التعاون. يشكل قطاع الطيران، والخدمات اللوجستية المدخل الأنسب، والأكثر فعالية، فالقطاعات يرتكزان على مشروع مطار طشقند الدولي الجديد، الذي وصفته ورشة العمل بأنه ليس مجرد مطار، بل نقطة تربط بين الإدارة الفعالة، وسلاسل التوريد، والمستثمرين، حيث يمكن للخطوط الجوية القطرية توفير خدمات التدريب، ومرافق الشحن وقدرات الصيانة، والإصلاح، والترميم، وهي خدمات غير متاحة في آسيا الوسطى حاليا بالمعايير المطلوبة، والتي تفي باحتياجات أسطول أوزبكستان الوطني الطموح الذي يهدف للوصول إلى 180 طائرة بحلول العام 2030م، كما تنسجم الشراكة في رأس المال عبر هيئة قطر للاستثمار -التي تدير أصولا تقدر بنحو 526 مليار دولار أمريكي- مع مسار أوزبكستان الإصلاحي في منظمة التجارة العالمية. حيث يمكن لمسار الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي أن يستفيد من الكفاءات التقنية العالية الأوزبكية، والتي تضم عشرات الآلاف من المبرمجين المدربين ضمن مبادرات تكنولوجيا المعلومات الوطنية، حيث يحظى هذا المسار الاقتصادي بدعم من شراكة التحول الرقمي الموقعة بين هيئة الاستثمار القطرية ووزارة التقنيات الرقمية الأوزبكية في فبراير 2025، ويقود هذا بدوره لدعم تنويع الاقتصاد القطري بعيدا عن الاعتماد على النفط، كما يسهم في تعزيز أمن قطر السيبراني السيادي، من جانب آخر، فإن مسار التحول الطاقي المرتكز على الطاقة المتجددة، وتصدير الكهرباء، يتماشى مع الاتجاه لإنهاء الاعتماد على الكربون في العالم، والأولويات الاستراتيجية للبلدين. من جانب آخر، فقد شكلت الزراعة، والأمن الغذائي أولوية قصوى لقطر منذ الحصار عام 2017م، حيث تتمتع أوزبكستان بموقع استراتيجي يمكنها من دعم الإنتاج القطري خلال أشهر الصيف، عندما ينخفض الإنتاج الزراعي المحلي بشكل حاد. وقد كشفت ورشة العمل عن ثلاثة جوانب تجارية إضافية. أولها نموذج ثلاثي في المعادن الحيوية، يجمع بين التمويل القطري والموارد المعدنية الأوزبكية ومشتر محتمل كالولايات المتحدة. ثانياً، يتمثل الأمر في توريد أرصدة الكربون الزراعية الأوزبكية إلى قطر، مما يفتح مسار توريد بديلاً لتلبية احتياجات قطر من تعويض الكربون، حيث يبدأ الاتحاد الأوروبي بفرض تكاليف تسعير الكربون على الصادرات القطرية إلى الاتحاد الأوروبي اعتباراً من عام 2027، وذلك من خلال آلية تعديل الكربون الحدودية (CBAM). ثالثاً، تطوير القدرات السيادية التكنولوجية والأمن السيبراني بصورة مشتركة، فقد عملت أوزبكستان طوال السنوات الخمس أو الست الماضية في بناء برمجيات محلية، أصبح النظام المصرفي الوطني يعتمد عليها بالكامل، فصارت بديلا موثوقا للأنظمة الأمريكية، والصينية المهيمنة حاليا على السوق الإقليمي. من جانب آخر، فهناك عنصر يمثل رصيدا استراتيجيا للشراكة، وهو موقف قطر الاستثماري والمتمثل بنهج تجاري، وتنموي خال من الطموحات الجغرافية، أو السياسية في آسيا الوسطى، وهو ما يتسق تماما مع مسار الإصلاح في أوزبكستان، وفي الوقت ذاته يمثل وجهة يمكن إعادة توجيه رأس المال القطري عبرها نحو الجنوب العالمي. ومع ذلك، فإنه سيتعين على المؤسسات استيعاب قيود هيكلية حقيقية من الجانب الأوزبكي، من بينها: موقع أوزبكستان كدولة حبيسة، وما يقتضيه ذلك من اعتماد على الترانزيت، إضافة لقيود بنيوية كتجزؤ جهاز ترويج الاستثمار، وهيمنة الشركات المملوكة للدولة، والإطار التشريعي الذي لا يزال قيد التطور، علما أن معظم هذه القيود قابل للمعالجة عبر هياكل امتياز طويلة الأجل، وشراكات بين القطاعين العام، والخاص، واستثمارات مرحلية مع بنود مراجعة، وهي جميعها مجالات تتمتع فيها قطر بخبرة واسعة.

أفغانستان كنقطة انطلاق مشتركة

لقد انبثقت ثلاثة أفكار من ورشة العمل، ينبغي أن تتبناهما الدوحة، وطشقند معا على الساحة الدولية. أولًا، ينبغي إعادة النظر لأفغانستان باعتبارها فرصة استراتيجية لا على أنها تهديد، فالاستقرار طويل الأمد لا يمكن تحقيقه بالآليات الأمنية فقط، بل يتطلب ترابطا اقتصاديا، وبنية تحتية، وتجارة، وخلق فرص عمل. ثانيا: ينبغي أن يتبنى المجتمع الدولي المشاركة الفعالة مع السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع، وذلك عبر: حوار عملي وتشجيع فعال للإصلاح الاقتصادي. ثالثًا، ينبغي أن تتعاون أوزبكستان وقطر في الترويج لمشاريع البنية التحتية الكبرى في أفغانستان، وتنفيذها معا حيثما أمكن، ومن بينها "خط سكة حديد عبر أفغانستان"، وهو المشروع الأبرز الذي لم تشهد المنطقة نظيرا له من قبل.

آفاق:

تجاوزت العلاقات القطرية-الأوزبكية المرحلة الدبلوماسية. فقد ترسخت البنية المؤسسية، وتوطدت الروابط التجارية، فيما يوفر السياق الإقليمي الحاجة الملحة، والفرصة لتحويل هذه العلاقة إلى شراكة استراتيجية مؤثرة. تتطلب المرحلة التالية ثلاث خطوات متقاربة: توسيع نطاق مجلس التنسيق الحالي ليصبح حوارا استراتيجيًا كاملًا على مستوى الحوارات الاستراتيجية القطرية الأخرى، ومعالجة عدم التوازن بين الاستثمار، والتجارة عبر نظام المسار السريع، وبيت التجارة، والاستفادة من التلاقي المميز بين طشقند والدوحة فيما يتعلق بأفغانستان لترسيخ شراكة وثيقة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، كما خلصت ورشة العمل إلى أنه لم يعد من المناسب وصف هذه العلاقة بأنها "واعدة"، بل يجب الاستمرار في إبراز الجوانب العملية للتعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى.

الهوامش

[1] ورشة عمل مشتركة نظمها مركز أبحاث السياسات الدولية (CIPR، الدوحة) ومركز دراسات السياسة الخارجية والمبادرات الدولية (CFPS، طشقند)، عقدت في الدوحة على هامش الزيارة رفيعة المستوى لوزير خارجية أوزبكستان، مايو 2026. عقدت الورشة وفقًا لقاعدة تشاتام هاوس المعدلة؛ وتنسب الآراء إلى المؤسسات المشاركة لا إلى الأفراد.

[2] معهد صناديق الثروة السيادية، ملف تعريف صندوق قطر للاستثمار (swfinstitute.org). لا تفصح قطر للاستثمار علنا عن أصولها المُدارة؛ جميع الأرقام المتاحة للجمهور هي تقديرات من جهات خارجية وتختلف باختلاف المنهجية.

[3] بيانات المحفظة الاستثمارية: وزارة الاستثمار والصناعة والتجارة الأوزبكية (gov.uz). بيانات التجارة الثنائية: بيانات التعاون التجاري والاستثماري بين أوزبكستان وقطر، Review.uz، نقلاً عن إحصاءات الحكومة الأوزبكية.

نبذة عن المؤلف

زينب آتالاي- أوستون وجاد صالحة: يعمل في مركز أبحاث السياسات الدولية (CIPR).

نبذة عن مركز أبحاث السياسات الدولية (CIPR)

مركز أبحاث السياسات الدولية (CIPR) مركز أبحاث متخصص في القضايا الاقتصادية، والسياسية، وشؤون الطاقة، والشؤون الأمنية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. يقع المركز في الدوحة، ويتخصص في تحليل المخاطر السياسية، وتقديم الاستشارات للحكومات، والشركات، واستشارات حل النزاعات، والدبلوماسية غير الرسمية، والاستشارات الإنسانية، والتنموية، وإدارة الفعاليات في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، وخارجها. يهدف المركز إلى أن يصبح منصة بحثية، ونقاشية رائدة في المنطقة، من خلال منشورات وفعاليات، ومشاريع، وإنتاجات إعلامية ذات صلة، لتعزيز فهم شامل للشؤون المتشابكة لهذه المنطقة. وبنهج شامل، وعلمي، ومبتكر، يوفر المركز منصةً تتفاعل فيها أصوات متنوعة من الأوساط الأكاديمية، وقطاع الأعمال، والسياسات، من المنطقة، والعاصمة، لإنتاج أفكار، ورؤى متميزة حول القضايا البارزة في المنطقة.

مركز أبحاث السياسات الدولية